جيرار جهامي ، سميح دغيم
2856
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
والنظرية . من هنا فإن الموضوعية تعني انسجام الفعل مع القول ، والمشروع العملي مع المشروع النظري ، وما ينبغي أن يكون مع ما هو كائن . لهذا الموضوعية قيمة تحفّز الإنسان باستمرار نحو انطباق الواقع مع المثال . وتأسيسا على هذا نقول : إن الموضوعية لا تعني « كما يزعم البعض » ، غياب أو ضعف الالتزام الإيديولوجي لدى الإنسان ، وإنما تعني أن تكون أحكامنا ومواقفنا معتمدة على الواقع الموضوعي الذي نعيشه ، حتى ولو كان هذا الواقع مرفوضا على المستوى الإيديولوجي . ( محمد محفوظ ، الفكر الإسلامي والمستقبل ، 124 ، 3 ) . - نرى إن للموضوعية عناصر ومكوّنات ، وهذه العناصر والمكوّنات ، هي عبارة عن القيم الحاكمة في مسيرة الإنسان الموضوعي وهذه العناصر كالآتي : 1 - نشدان الحقيقة والمعرفة بصرف النظر عن مصدرها ، فالتطرّف دائما في كلا الاتّجاهين « الحب والبغض » ، يصادر الحقيقة ويشرّع للاستبداد وإقصاء الرأي الآخر ، ويخرج الإنسان من دائرة الموضوعية ، لأن التطرّف يحرّم على الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة ، ويصادر منهم الحق في الاختلاف ، وحده « المتطرّف » له الحق في أن يخالفهم ، وليس لهم أي حق في إبداء أي رأي مخالف له . . . . 2 - احترام التخصّصات : إن توسّع العلوم وتشعّبها أدّى إلى بلورة الاختصاصات العلمية المختلفة ، بحيث أصبح لكل جانب من جوانب العلم أهله وأصحاب الاختصاص فيه . لهذا فإن الموضوعية تقتضي احترام هذه التخصّصات لأنها تنطلق من واقع العلم التفصيلي بذلك الحقل أو التخصّص . . . . 3 - عدم العجلة في إصدار الأحكام لأن الموقف الذي يتّخذه الإنسان على هدي دراسة مستفيضة ومعرفة عميقة دائما يكون سليما ، كما أن الموقف المستعجل ، أو الذي لم ينطلق من معرفة عميقة يكون غالبا مجانبا للصواب ، وبعيدا عن الحقيقة . لذا فإن الموضوعية تتضمّن عدم الاستعجال في اتّخاذ المواقف وتحديد الأحكام ، لأنه غالبا كما يقرّر علماء المنطق ، العجلة والتسرّع من أسباب الخطأ الرئيسية . . . . 4 - النظر إلى الآخرين بعيدا عن التهوين والتهويل ، إذ إن الموضوعية تقتضي جعل الآخرين في مواقعهم الطبيعية والنظر إليهم بدون استصغار أو تضخيم . فالنظرة التي ترى الآخرين القوة المطلقة - القادرة على فعل كل شيء نظرة غير موضوعية ، كما أن النظرة التي ترى الآخرين وكأنهم أرقام صفرية لا تستطيع أن تحرّك ساكنا نظرة غير موضوعية . إن النظرة الموضوعية تعني أن تجعل الآخرين في مواقعهم الواقعية بعيدا عن التهوين والتهويل . ( محمد محفوظ ، الفكر الإسلامي والمستقبل ، 125 ، 2 ) . - « الموضوعية » أي الاستقلال عن الذات وعن وجهات النظر الشخصية ، ( كما يقول أنطون مقدسي ) . هذا صحيح . لكن الموضوعية هي غاية المعرفة كمعرفة . إنها ليست البداية . فالبداية هي الفكر ، والفكر يستخدم الكلمات ، الإنسان يستخدم كلماته . ليس